لمحة عامة
في خطوة تعكس نضوج الرقابة على المنافسة في السوق الكويتي، أصدر جهاز حماية المنافسة عام 2026 قرارين جديدين يعدّلان آلية تطبيق قانون حماية المنافسة رقم 72 لسنة 2020: الأول يتعلق بالحدود المالية التي تُلزم الشركات بالإخطار المسبق عن عمليات الدمج والاستحواذ، والثاني يتعلق بضوابط الحفاظ على سرية المعلومات التجارية التي تُقدَّم للجهاز. كما صدر خلال العامين الماضيين حكمان من المحكمة الدستورية أعادا تشكيل سلطة الجهاز في توقيع الجزاءات المالية. نستعرض في هذا المقال أهم ما يحتاج رجال الأعمال والشركات معرفته.
الإطار القانوني: من القانون 10/2007 إلى القانون 72/2020
كان قانون حماية المنافسة الأول في الكويت هو القانون رقم 10 لسنة 2007، والذي ظل ساري المفعول نحو 13 عاماً قبل أن يُستبدل بالكامل بالقانون رقم 72 لسنة 2020 وتعديلاته في شأن حماية المنافسة. القانون الجديد لم يكن تعديلاً جزئياً، بل أعاد صياغة المفاهيم الأساسية؛ فعلى سبيل المثال، تخلّى المشرّع عن تحديد نسبة مئوية ثابتة (كانت 35% في القانون القديم) لتعريف "الوضع المهيمن"، واستبدلها بمعيار أكثر مرونة يقوم على قدرة الشخص على "التأثير على السوق المعنية والتصرف بشكل مستقل عن منافسيه أو عملائه أو المستهلكين". كما استحدث القانون الجديد مفاهيم "العلاقات الأفقية" و"العلاقات الرأسية" بين المتنافسين، وأنشأ إدارة قانونية مستقلة داخل الجهاز لمباشرة الدعاوى والحضور أمام المحاكم.
التحديث الأول: حدود مالية جديدة للإخطار بالتركزات الاقتصادية
- معيار المبيعات السنوية الفردي: يلتزم أطراف عملية التركز بتقديم طلب الموافقة المسبقة للجهاز إذا حقق أحد الأطراف مبيعات سنوية داخل الكويت تتجاوز 1,500,000 دينار كويتي، وفقاً للبيانات المالية المدققة لآخر سنة مالية سابقة على إتمام التركز.
- استحداث "حد الكيان المستهدف": في النظام السابق كان الإخطار واجباً بمجرد تجاوز المبيعات المجمعة لطرفي الصفقة حداً معيناً، حتى لو كانت الشركة المستهدفة صغيرة جداً. أما بموجب القرار الجديد، فلا ينعقد الالتزام بالإخطار إلا إذا بلغت حصة الشركة المستهدفة وحدها حداً مالياً مستقلاً.
- عملياً، هذا يعني أن نطاق الرقابة المسبقة أصبح أكثر تركيزاً على الصفقات ذات الأثر السوقي الملموس، تراجعاً عن الرقابة الشاملة بموجب القرار السابق رقم 26 لسنة 2021. وعلى الشركات المخطِّطة لعمليات استحواذ أو دمج أن تتقدم بطلب الموافقة قبل 60 يوماً من إتمام العملية، مع سداد الرسوم المقررة.
التحديث الثاني: ضوابط جديدة لحماية الأسرار التجارية
عرّف القرار الثاني "السر التجاري" بأنه أي معلومة ذات قيمة تجارية يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بالمتنافس — ويشمل ذلك المعلومات المالية، أساليب تقييم التكاليف، مصادر التوريد، قوائم العملاء والموزعين، خطط التسويق، وهياكل الأسعار والتكاليف. الأهم عملياً: عبء إثبات السرية يقع على الطرف الذي يطلبها؛ فالشركة المتقدمة بطلب التركز هي المسؤولة عن إثبات أن المعلومة سرية بالفعل، والتقاعس عن تقديم طلب السرية وفق النموذج المعتمد يُسقط حقها في الاحتجاج بالسرية لاحقاً.
الجزاءات المالية: تراجع سلطة الجهاز بعد حُكمين دستوريين
كانت المادة 34 من قانون حماية المنافسة تخوّل المجلس التأديبي للجهاز فرض جزاءات مالية تصل نسبتها إلى 10% من إجمالي إيرادات الشركة المخالفة. تقلّصت هذه الصلاحية بشكل جوهري بموجب حكمين متعاقبين من المحكمة الدستورية: الحكم الصادر في 5 فبراير 2025 (الطعن المباشر رقم 4 لسنة 2023) قضى بعدم دستورية البند الأول من المادة 34 المتعلق بجزاء الـ10%، باعتبار ربط الغرامة بإجمالي الإيرادات بصرف النظر عن جسامة المخالفة "عقوبة تعسفية". وحكم لاحق صدر في يونيو 2025 قضى أيضاً بعدم دستورية البند الخامس من المادة ذاتها. النتيجة العملية: لم يعد الجهاز يملك سنداً قانونياً لتوقيع الجزاءات المالية في هذين البندين إلى حين صدور تعديل تشريعي يعالج الفراغ، وهو ما تؤكد إدارة الفتوى والتشريع أنه قيد المراجعة تمهيداً لعرضه على مجلس الوزراء.
ماذا يعني هذا لرجال الأعمال والشركات؟
- عند التخطيط لعمليات استحواذ أو دمج: يجب تقييم الوضع المالي لكل من الطرف المستحوذ والشركة المستهدفة بشكل منفصل في ضوء الحدود الجديدة، مع مراعاة مهلة الستين يوماً.
- عند تبادل معلومات حساسة مع الجهاز: ينبغي تقديم طلب صريح بالحفاظ على السرية وفق النموذج المعتمد فور تقديم المعلومة، لأن التأخر يُسقط الحق في التمسك بالسرية لاحقاً.
- بخصوص أي إجراء تأديبي سابق صادر عن الجهاز: تستحق الشركات التي صدرت بحقها جزاءات مالية بموجب البنود المقضي بعدم دستوريتها مراجعة قانونية لموقفها، إذ فقدت تلك الجزاءات سندها القانوني.
خلاصة
تتابع مجموعة ألفا القانونية هذه التطورات التشريعية عن كثب، وتقدّم لعملائها من الشركات المحلية والإقليمية الاستشارة القانونية اللازمة للامتثال لقانون حماية المنافسة، بما يشمل تقييم عمليات التركز الاقتصادي والتمثيل أمام جهاز حماية المنافسة.